ابن الجوزي

257

صيد الخاطر

سبحانه لأجل ما يخالطه من الأكدار ، أو يكون له عائلة وهو فقير فيتفكر في اغنائهم ، فيدخل في مداخل كلها عنده عظيم وقد يبتلى بفقد من يحب ، أو ببلاء في بدنه ، وبعكس أغراضه وتسليط معاديه عليه ، فيرى الفاسق يقهره ، والظالم يذله . وكل هذه الأشياء تكدر عليه العيش ، وتكاد تزلزل القلب ، وليس في الابتلاء بقوة الأشياء الا التسليم واللّجإ إلى المقدّر في الفرج . فيرى الرجل المؤمن الحازم يثبت لهذه العظائم ولا يتغير قلبه ، ولا ينطق بالشكوى لسانه . أوليس الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يحتاج أن يقول : من يؤويني من ينصرني ؟ ويفتقر إلى أن يدخل مكة في جوار كافر ، ويلقى السلا على ظهره وتقتل أصحابه ، ويداري المؤلفة ، ويشتد جوعه وهو ساكن لا يتغير . وما ذاك الا أنه علم أن الدنيا دار ابتلاء ، لينظر كيف تعملون ومما يهون هذه الأشياء علم العبد بالأجر ، وان ذلك مراد الحق : فما لجرح إذا أرضاكم ألم « 1 » . 211 - بخل العلماء والمتزهدين لا ينكر أن الطباع تحب المال ، لأنه سبب بقاء الأبدان ، لكنه يزيد حبه في القلوب حتى يصير محبوبا لذاته لا للتوصل به إلى المقاصد ، فترى البخيل يحمل على نفسه العجائب ، ويمنعها اللذات ، وتصير لذاته في جمع المال . وهذه جبلة في خلق كثير . وليس العجب أن تكون في الجهال ، وينبغي أن يؤثر فيها عند العلماء المجاهدة للطبع ومخالفته ، خصوصا في الافعال اللازمة في المال . فأما أن يكون العالم جامعا للمال من وجوه قبيحة ، من شبهات قوية ، وبحرص شديد ، وبذل في الطلب ، ثم يأخذ من الزكوات ولا تحل له مع الغنى ، ثم يدخره ولا ينفع به ، فهذه بهيمية تخرج من صفات الآدمية ، بل البهيمية أعذر لأنها بالرياضة تتغير طباعها ، وهؤلاء ما غيرتهم الرياضة ، ولا أفادهم العلم . ولقد كان أبو الحسن البسطامي مقيما في رباط البسطامي الذي على نهر عيسى ، وكان لا يلبس الا الصوف شتاء وصيفا ، وكان يحترم ويقصد ، فخلف مالا يزيد على أربعة آلاف دينار .

--> ( 1 ) للمتنبي وصدره : ان كان سرّ كم ما قال حاسدنا .